21/04/2024
منقول عن زميلي ابن البحيره اللواء / رؤوف جنيدي
روعه القلم وعبق الذكريات الجميله التي عشتها أنا وإخوتي وأهلي بمحافظة القليوبيه
حصاد الذكريات : _
على مقربةٍ من خلفية بيوتنا فى الريف . وفى مرمى الرؤية البعيدة من نوافذها الخلفية . كانت تقع مساحةٌ من الأرض الخلاء . مستوٍ سطحُها ناعمةٌ قشرتُها كنا نسميها ( الجُرن ) . وعلى أرض هذة البقعة الغالية على قلب الطفولة . كانت تدور أروع أعمال الفلاحين وأقربها إلى أمنياتهم وهو يوم الحصاد لأعواد القمح وسنابله بعد أن قطعت شوطاً طويلاً فى الحقول إلى أن هاجت واصفرت ثم احتضنتها مناجلهم وأيديهم . لتبدأ بعدها أحداث هذة الملحمة الأسطورية فائقة الأصالة فياضة الخير من بعد ظهيرة يومها وبعد إنكسار حرارة شمسِه . وكأن الطقس كان عليهم حانياً فيُحيل لهيبه برداً وسلاماً على وجوه الفلاحين ...
تتوافد قوافل الدواب تباعاً محملةً بحزمات القمح من الحقول . ومِن خلفها تدُب أقدام الصبية على الأرض دبيباً منتظماً وكأنه نقر الدفوف . يعانقها حفيف نعال الصبايا فى لحنٍ كورالى يكتمل نغمُه على هشهشة أحمال القمح كلما رفعت الدابة قدماً وحطت أخرى .. وكأنها تعزف نوباتٍ رتيبة اللحن من الهمة والعزيمة والنشاط ...
يُفرِغ الرجالُ أحمال الدواب واحداً تلو الآخر للبدء فى رصها على أرض الجرن رصاً حَلَقياً وفى دائرةٍ انتظم محيطُها وكأنها رُسمت بأدق الأدوات الهندسية . ويحرص الرجال أن تكون أعواد القمح عرضية على اتجاه دوران الإلة المنوط بها عملية الدراس والتى كنا نسميها ( النورج ) . ومع حفيف أعواد القمح وغناء الرجال يتهادى فى الأفق أروع ألحان الحصاد وأعذبها على قلب الفلاحين . يشاركهم عرسَهم هذا أسرابُ طيور الكروان التى كانت تزغرد فوق رؤوسهم غُدُواً ورواحاً كلما اقترب المساء ..
نجلس نحن الصغار جنباً إلى جنب على مقعد النورج . ومنا من كان يقف فوق عوارضه الخلفية . فيُوصِى أحدُ الرجال كبيرَنا أن يرعى أخوته ويُحذِّره أن يقع أحدُنا من فوقه . فينتشى كبيرُنا هذا فى جلسته وكأنه اصطحب الرفاق . ليقود مركبةً فضائيةً تطوف بهم حول العالم .. ترافقنا فوق الرؤوس أسراب الطير ذهاباً وإياباً . تحط كلما لاحت لها حباتُ قمحٍ وتقلع كلما هشها أحد الرجال . ثم يراجع الرجل بعدها مدى فاعلية عجلات النورج كل حينٍ . ويلملم تِباعاً أعواد القمح التى تكون قد خرجت عن المسار . ومع حرارة الشمس وعرق الرجال كانوا يرطبون أجوافهم كل حينٍ بجرعة ماءٍ من وعاءٍ فخارى اسمه ( قلةٍ ) رُبطت بحبلٍ من أذنيها ثم عُلِّقت بغصنٍ منخفض لشجرة التوت التى تقع على مقربةٍ من حدود الجُرن . بعد أن لفها أحدهم بقطعةٍ من جوالٍ قديم . يُبللها كل حينٍ من إحدى قنوات الرى القريبة ليبقى ماؤها رطباً ..
تلوح من بعيد إحدى الصبايا وقد جاءت تمشى على استحياءٍ تحمل فوق رأسها صينيةً مغطاة بالأقمشة تحط بها تحت شجرة التوت . ثم تنادى نداءً حميمياً : يللا يابا الغدا . يللا يابا فلان . يتحلق الرجال حول الصينية . وعلى مقربة منهم تتصاعد خيوط دخانٍ تنبعث من كومة أحطابٍ جمعتها الصبية ثم لا تلبث أن تنفخ فيها فتتصاعد ألسنة اللهب .... دقائق وتأتيهم الصبية تتهادى على عودها الممشوق . تحمل بين يديها صينيةً تتراقص فوقها أكواب الشاى تارةً . وتتشاجر تارةً أخرى فى عناقٍ وعراكٍ نغمىٍ جميل وكأنه لحنٌ لهمهماتِ الرجال بالغِناء . ولنداءاتهم الرتيبة المتكررة كل حينٍ . يحثون الدابة على الدوران إن هى توقفت .. نهرع نحن الأطفال إلى تحت شجرة التوت كلما لفحت وجوهَنا حرارة الشمس . نجلس متواجهين يخُط البعض منا حقلاً صغيراً على الأرض . يرويه بأحد أكواب صينية الشاى بعد أن دس فى أرضه بعض حبات قمحٍ إختطفها خلسةً من الكبار كما العصافير ..
على هذا المدار . دارت أجمل ذكريات العمر . دار بنا النورج فى رحلاتٍ طفوليةٍ بريئة . فى مدارٍ حانٍ صغير كان مَدَّ أبصارِنا القنوعة . يُشجي براءتَنا أزيزُ عجلاتِه . وتداعب عيوننا أسراب العصافير وهى تحط إلى جوارنا لتخطف منا حبات القمح . ونضحك لطيرانها إثر هشَّات الرجال ....
كبرنا ودارت بنا الدنيا فى مداراتٍ ودروبٍ وطرقاتٍ لا نعرف لها حداً . ولا نرى لها نهاية . وبين دورةٍ وأخرى . نتوقف كل حينٍ نلتقط الأنفاس . فيستيقظ داخل كل منا طفلُه الذى مازال هناك يناديه . يناشده أن يعود ولو مرة . يدور فيها فوق أعواد القمح .. ويمرح فوق أرض الحصاد .. اصطحبت طفلى ذات مرةٍ إلى بلدتى . أستعيد ذكرياتى التى تركتها يوماً معلقةً على الغصن إلى جوار قُلة الماء . فلا هى هناك . ولا الشجرة . ولا حقولنا الصغيرة . ولا حِزمات القمح . ولا أجران الحصاد .
رأيت بعضاً ممن كانوا يرافقوننى مقعد النورج . فهذا يتكئ على عصاً فى مشيته .. وهذة تستند على الجدران إن هى خرجت من دارها . وآخرون حُمِلوا فى صناديق خشبية لا ليدوروا فوق أعواد القمح . ولكن ليستريحوا من عناء دورانهم فى الدنيا إلى مثواهم الأخير ..
ويبقى أزيز النوارج يملأ الأفق
صدىً لذكرياتٍ خوالى
ورجعاً لأيامٍ ليتها دامت